ولقد مر على المسلمين - في انحرافهم التدريجي - وقت أصبح الدين فيه معنى قلبيًا وجدانيًا لا صلة له بالواقع ! ويقول الواحد منهم لا تحكم عليّ بظاهر أعمالي فانا مؤمن في داخل قلبي وهذا يكفي ، والله هو المطلع على خفايا القلوب !
من أين جاءوا بهذا التصور المنحرف لحقيقة الدين ؟ إنه أشبه شيء بالمفهوم الكنسيّ الغربي:"الدين علاقة بين العبد والرب ومحله القلب"أي لا صلة له بواقع الحياة ، وإنما هو مشاعر وجدانية داخل القلب فحسب !
إنما جاء الإسلام ليحول الدين واقعًا يعاش ! لا كما كان العرب في الجاهلية يخالفون أمر الله في الصغيرة والكبيرة ، ثم يقولون: نحن على دين إبراهيم ! (( إن الدين عند الله الإسلام ) ) (آل عمران: 19) 0
ولا يكون المسلمون مسلمين حقًا وهم يحكّمون في حياتهم شريعة غير شريعة الله ، ويتخذون تصوراتهم وأفكارهم وأنظمتهم وتقاليدهم وأنماط سلوكهم من مصدر غير المصدر الرباني ، ويتخذون القدوة لهم رجالًا ونساء من الشرق أو الغرب ، لا يؤمنون بالله ولا برسوله .
إنما الإيمان الحقيقي لا بد له من مظهر سلوكي واقعي ..
إن الإيمان يتلخص في شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله ، أي المبلّغ من عند الله بالحق .
وإن التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله ، له مقتضى لا بد أن يرى في واقع الحياة ، ومقتضاه هو السلوك الفردي والجماعي وفق شريعة الله .
فأما الفرد فينبغي أن يلتزم بما أمره به ربه وما نهاه عنه . وأما الجماعة فينبغي أن تحكّم شريعة الله وتقوم على هذا الأمر بجهدها كله وترفض أن تحكم بغير ما أنزل الله .
وحين يلتزم الفرد والجماعة بهذا الأمر يصبح الفرد مسلمًا والجماعة مسلمة في عالم الواقع لا بالاسم ولا بالشعارات . ويصبح السلوك الواقعي في المجتمع سلوكًا إسلاميًا حقيقيًا ، لا كالذي نشاهده اليوم في أرجاء العالم الإسلامي: شيئًا أبعد ما يكون عن الإسلام .