فقد هيأها الله - وحدها فيما نعلم حتى اليوم من الأجرام الأخرى - بخاصية الحياة، وجعل لها من الظروف ما يجعل الحياة عليها ممكنة الوجود والاستمرار. فكتلتها محسوبة بحساب ربانى دقيق يجعل جاذبيتها تحتفظ حولها بغلاف جوى لا يتبدد، وفى هذا الغلاف يوجد الأكسجين المطلوب لتنفس الكائنات الحية، وبالقدر المطلوب لتنفس هذه الكائنات بلا زيادة فيه ولا نقصان؛ لأن الزيادة والنقصان كلتاهما ضارة بهذه الأحياء! وحرارتها محسوبة بذلك الحساب الربانى الدقيق، بالصورة التى تحتملها الكائنات الحية فلا تموت من شدتهات ولا من ضعفها! والأقوات فيها محسوبة بحيث تفى بحاجة تلك الكائنات من الغذاء مع توازن دقيق بين هذه الكائنات وبين أقواتها: ( وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) [ الحجر: 19 ] . ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) [ فصلت: 10 ]
وعلى ذلك التوازن في الأرض بين الكائنات الحية والتوازن في الأقوات، فقد ذكرت الأنباء أن الشيوعيين في الصين سولت لهم أنفسهم الشريرة أن يقتلوا جميع العصافير الموجودة في الصين بحجة أنها تأكل عشرة في المائة من مجموع الغلال التى يزرعونها! فجندوا في كل القرى والمدن فرقًا تتناوب الضرب على الدفوف وقطع الصفيح ليل نهار لمدة ثلاثة أيام، فكلما أرادت العصافير أن تأوى إلى عشوشها لتنام أوتستريح أزعجها الصوت فعادت إلى الطيران، حتى هلكت جميع العصافير من الجوع والعطش والتعب وعدم النوم. وفرح الشريرون بأنهم قضوا على تلك المخلوقات الصغيرة اللطيفة، واطمأنوا إلى أن المحصول سيصل إليهم كاملًا غير منقوص! ولكن الله كان لهم بالمرصاد! فإن الحشرات الضارة التى كانت تلك العصافير تأكلها فتمنع أذاها عن الزرع بحكمة الله وتدبيره، انتشرت في الأرض بعد موت العصافير فأكلت خمسين في المائة من المحصول! وهكذا حين أراد البشر الضالون أن يعبثوا بالتوازن الذى أوجده الله في الأرض بحكمته أصابهم الجزاء الرادع من عند الله، وكانت هذه آية لهم لو كانوا يعتبرون!
وهكذا لو مضينا نتتبع آيات الله في الأرض: في الكبيرة والصغيرة، لوجدنا عجائب لا تنتهى. وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ