لو تصورنا جهازًا ما أخذ شحنته الكهربية المضبوطة من مصدر صاف لا خلل فيه ولا اضطراب ، فقام بمهمته على الوجه الأكمل .. إن هذه أقرب صورة للإنسان المؤمن بعقيدة التوحيد الصافية إيمانًا صحيحًا . إنه يأخذ"شحنته"الكاملة من العقيدة ، فيعمل بطاقته الكاملة ويؤدي مهمته على الوجه الأكمل ، لأنه:"في أحسن تقويم".
إن النماذج الفريدة التي صنعها الإسلام في جيله الأول على وجه الخصوص ، هي نماذج فذة بالنسبة للتاريخ البشري كله . وإنها ليست محصورة في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم ، ولا في تلك الأسماء اللامعة التي يحفظها التاريخ - وإن كانت هذه الأسماء في قمة البشرية جميعًا - ولكنها تشكل ألوفًا وألوفًا غيرهم ، لم يتسع التاريخ لذكر أسمائهم واحدًا واحدًا ، أو قل: إن تاريخ هذه الأمة كان من الثراء بحيث اكتفى المؤرخون بذكر القمم الشاهقة واكتفوا بإشارات عابرة إلى القمم الأخرى لأنها كانت شيئًا عاديًا في نظرهم بالقياس إلى أثر هذه العقيدة في النفوس !
كيف نقول في ذلك الجندي الذي خرج يقاتل في سبيل الله وفي يده تمرات فيقول: لئن بقيت حتى آكلها كلها إن هذا لأمر يطول ! فيلقي بها ليستشهد في سبيل الله ، وينال الشهادة بالفعل ؟
وكيف نقول في ذلك المقاتل - في حرب فارس - الذي لبس درعه فإذا فيه ثلمة صغيرة فينبهه إخوانه ويدعونه إلى تغيير الدرع . فيقول باسمًا: إني لكريم على الله إن أصبت من هذا الموضع ! فيدخل المعركة فيصيبه سهم فيدخل في الثلمة .. فيستشهد وهو قرير العين شاعر بأنه كريم على الله لأنه لبى رغبته في الشهادة !
وكيف نقول في الذين تجمعوا حول تمرات يأكلونها هي كل ما يملكون من الزاد فيدخل عليهم ضيف فيطفئ صاحب البيت المصباح ويقدم له التمرات ، حتى لا يكتشف الضيف أنها كل الزاد الموجود فيمتنع عن الطعام ، فينزل الله فيهم قوله: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ الحشر: 9 ] .