إن كل أبحاث العلم حتى هذه اللحظة قد عجزت عن أن تقول لنا كيف يفكر العقل وكيف يتذكر! وأين تكون الأفكار وأين تختزن المعلونمات وكيف يستدعيها الإنسان حين يريد استدعاءها، وكيف تخطر على باله أحيانًا بغير استدعاء!
والصفات النفسية كذلك.. ما هى؟ كيف توجد؟ وأين توجد؟ كيف تتكون في النفس صفة الكرم أو البخل أو الشجاعة أو الجبن؟ وفى أى مكان تكمن هذه الصفة في الإنسان؟ في جسمه؟ أين؟ في مخه؟ أين؟ هل هى شىء معنوى أم مادى؟ وفى كلا الحالين كيف تؤثر في تصرفات الإنسان وسلوكه؟
وأعجب من ذلك: كيف تورث؟!
ولو مضينا نتتبع خصائص الإنسان، وآيات الله في الأنفس، لما أنتهينا من العجب لكل خصيصة وكل آية، ولأدركنا أن هذا كله لا يمكن أن يحدث من تلقاء نفسه بهذه الدقة المذهلة. لابد له من موجد، ولابد أن يكون هذا الموجد حكيمًا غاية الحكمة وقادرًا إلى حد الإعجاز، وإلا ما استطاع أن ينشئ هذا الخلق الدقيق المعجز، الذى تحتوى كل جزئية منه على عجائب لا يحصرها العقل0
ومن أجل ذلك يقول الله بحق: ( وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) ؟!
( أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا( ) آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ، أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ ) [ الأنبياء: 21 ، 24 ] .
في هذه الآيات يخاطب القرآن العقل لكي يتدبر الأمر ويستخلص نتيجة منطقية لما يرى حوله من الآيات ، ويطالبه أن يأتي بالبرهان على ما يدعي مخالفًا للحق الظاهر .
فالحق الظاهر أن هذا الكون متناسق إلى أبعد ما يتصور العقل من التناسق: ( مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ ) [ الملك: 3 ، 4 ]