إذا سلم الإنسان بكل هذا فقد لزمه - منطقيًا - أن يسلم بالنتيجة التى تؤدى إليها هذه المقدمات، وهى أنه إله واحد لا شريك له ولا يمكن أن يكون له شريك. لذلك يكرر السياق التذكير بعد كل مقدمة من المقدمات: (( أفلا تذكرون ) )؟ (( أفلا تتقون ) )؟ (( فأنى تسحرون ) )؟!
ولكن السياق لا يكتفى بالتذكير المصحوب بالتقريع؛ بل يمضى مع العقل البشرى خطوة أخرى في المناقشة فيعرض أمامه هذه الحقيقة ليتدبرها:
لنفرض جدلًا أنه كان مع الله آلهة أخرى فكيف يكون الموقف؟
( إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ )
فى الفقرة السابقة (رقم2) فى آية سورة (( الأنبياء ) )كان يعرض أمر الفساد الذى كان لابد أن يحدث في السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا الله: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا )
وما دام هذا الفساد غير حادث، والكون منضبط في حركته كما نرى، فقد انتفى إذا وجود آلهة غير الله .
وفى هذه الآية من سورة (( المؤمنون ) )يعرض الأمر من الوجهة الأخرى، وجهة الآلهة ذاتهم - لو أنهم أكثر من إله واحد - وما كان لابد أن يحدث بينهم من صراع ونزاع: (( إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) )0
فإذا كان كل إله خلق جزءًا من الخلق فهل يعقل أن يتنازل عن خلقه لإله آخر؟ أم المعقول والبدهى أن يتشبث بخلقه ويستحوذ عليهم ويحاول أن تكون له السيطرة عليهم وحده؟ وعندئذ ماذا يحدث؟! يحدث نزاع بين الآلهة المزعومة على السيطرة! هذا يريد أن يسيطر وهذا يريد أن يسيطر! كل منهم يريد أن تكون له وحده الكلمة النافذة في الكون ويكون أمره هو المطاع! هذا يصدر أمرًا ويطلب تنفيذه، وذاك يصدر أمرًا مضادًا ويطلب تنفيذه. وكل يتشبث بكلمته زاعمًا أنه هو الأعلى وهو الأحق بأن تسمع كلمته ويطاع!
فهل هذه الآله - المتوهمة- تستحق الاحترام وهى هكذا تتعامل مع بعضها البعض؟!