والقرآن يواجه الناس بحقيقتهم ليكشفها لهم، ويكشفهم هم أمام أنفسهم! بل إنه يواجههم بحقيقة أخرى، أشد دلالة على ما في نفوسهم من انحراف 0
فياليتهم بعد أن عرفوا الله في وقت الشدة، وانكشف لهم الحق من الباطل، وأدركوا أن الله وحده هو الذى يملك كشف الضر، وهو الذى تجب عبادته وحده دون شريك، والتوجهن إليه وحده دون شريك.. ليتهم بعد أن عرفوا كل ذلك قد استقاموا عليه!
ولكنهم - لما في أنفسهم من اعوجاج ومرض- ما يكاد ينكشف عنهم الضر الذى دعوا الله من أجله مخلصين له الدين، حتى يعودوا إلى سيرتهم الأولى كأن لم يحدث شىء، وكأنهم لم يمروا بالشدة، ولم يؤمنوا بالله في أثنائها!
وهذا الذى يواجههم به القرآن لعلهم يراجعون أنفسهم فيتخلون عن انحرافهم ويستقيمون: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (12) سورة يونس 0
( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ يونس: 22 ، 23 ] .
هذه الآيات كلها من سورة يونس ، تصور حالة عامة للإنسان يصيبه الضر فيلتجئ إلى الله ، ويدعوه أن يكشف ما حل به من الشدة . والآية تصوره على جميع أوضاعه ، فإذا كان الضر الذي أصابه قد ألجأه إلى النوم على جنبه من مرض أو نحوه فإنه يدعو الله على حاله تلك: ( دَعَانَا لِجَنْبِهِ ) . وإن كان قاعدًا أو قائمًا دعا الله كذلك في قعوده أو قيامه . أي أنه حيثما كان وضعه في حالة وقوع الضر عليه فإنه يلتجئ إلى الله ضارعًا أن يصرف عنه ما به من سوء . وقد يكون الهم الذي حل به همًّا نفسيّا لا جسميّا ، وهو في هذه الحالة يدعو الله كذلك . يدعوه في كل وضع من أوضاعه:"لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا"لأن الهمّ الذي ركبه يُلازمه في جميع أحواله ، فيلجئه إلى الدعاء في كل حال .