فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 448

فهل حين يكشف الله عنه الضر يتذكر ؟ هل يتذكر كيف كان في وقت الشدة ضارعًا إلى الله ، موقنًا في دخيلة نفسه ألاّ منقذ له سواه ؟ كلا ! ( فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ) !

والتعبير القرآني بكلمة"مرَّ"يصور تصويرًا دقيقًا حالة ذلك الإنسان وقو عوفي من البلاء الذي حل به ، سواء أكان جسمانيّا أو نفسيّا ، فإذا هو منتفش مزهو"يمر"دون مبالاة ولا اعتبار كأن لم يكن بالأمس القريب يجأر بالشكوى ويجأر بالدعاء ! لقد نسي ! ( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ) [ فصلت: 51 ] 0

أما الآيتان الثانيتان من سورة يونس فتصفان حالة خاصة . حالة قوم ركبوا في سفينة والجو رخاء والريح ساكنة ، وهي تجري بهم جريًا مطمئنًا على صفحة الماء . فالقوم فرحون بركوبهم ، مستبشرون برحلتهم مستمتعون بها . وفجأة تهب الريح عاصفة فيتغير كل شيء في لمحة ! تتغير الملامح والمشاعر والأفكار ! فيحل القلق محل الطمأنينة والانزعاج محل الاستبشار . ويبدو الكرب على الملامح التي كانت وادعة ناعمة من قبل ! فلمن يلجئون عندئذ ؟ إنه لا ملجأ إلا إلى الله ! ( دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) .

لقد تقطعت بهم الأسباب ، وتعلقت نفوسهم بقدر الله . علموا أنه لا منقذ لهم مما هم فيه من الكرب إلا رحمة الله . فالكرب أكبر من قوتهم ، وهم عاجزون إزاءه .. والإنسان يطغى ويستكبر وهو يحس بالقوة ، فيعتقد أنه لن ينهزم أمام شيء ! فإذا رأى قوته تتضاءل وتتضاءل حتى يدركها العجز ، ورأى الكرب يشتد حتى لم تعد له به قوة .. عندئذ يرى نفسه على حقيقتها ، ويزول عنه الكبر المزيف والطغيان . ويلجأ إلى القوة الحقيقية: قوة الله ، موقنًا أنها هي وحدها التي تنقذه ، وأن كل ما عداها هباء ..

والتعبير القرآني يظهر هذه الحقيقة بوضوح: ( دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) . ففي تلك اللحظة الحرجة ، لحظة الانقطاع من كل أمل في الخلاص أو العون ، يكون إحساس الناس بالذات الإلهية واضحًا مستقرًا عميقًا في النفس ، كأنما كان هناك ستار يغشّي هذه الحقيقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت