فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 448

في النفس فانجاب الستار وانكشفت الحقيقة . ويكون التوجه إلى الله مخلصًا كذلك . فالخطر الداهم مفزع ، والملجأ الوحيد هو الله . عندئذ يتشبث الإنسان بالملجأ ، صادق الرغبة في الالتجاء . وحين يدعون الله مخلصين له الدين يكونون في لحظتها صادقين في قولتهم: ( لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) ذلك أنهم في فزعهم يشعرون أن الله قد يرضى عنهم ويخلّصهم مما هم فيه من الكرب إذا تابوا إليه من انحرافهم واستقاموا على أمره ، فيليجئهم الفزع إلى نية التوبة وإلى الوعد بالشكران . ولا يكون الشكران إلا بطاعة الله .

ولكن .. كم تبقى تلك المشاعر على إخلاصها ؟! فقط لحين تنتتهي الشدة ويزول الكرب ! ( فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) !! ما أسوأ هذا الإنسان وما أخسره !

لقد عاد الستار الذي كان يحجب حقيقة الألوهية في نفسه فانسدل كما كان ، وران على قلبه ما كان يرين عليه من قبل . ولم تكن تلك الصحوة إلا صحوة عارضة أنشأتها الشدة ، فلما زالت الشدة عاد إلى ما كان فيه من غفلة ، واستنام إلى ما كان فيه من بهتان !

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) .

نعم ! إنه متاع الحياة الدنيا ، ذلك المتاع الزائل الزائف هو الذي يلهيهم فينسيهم ربهم ، وينسيهم آخرتهم ، فيغرقون في هذا المتاع غافلين عن كل ما عداه .

ولكن بغيهم هذا هو في الحقيقة على أنفسهم . فماذا بعد ذلك المتاع القصير ، المحدود بسنوات العمر المعدودة ، ولو خلصت سنوات العمر كلها للمتاع ؟!

( ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) . وعندئذ يذهب ذلك المتاع ، بل تذهب حتى ذكراه ، ولا يتبقى له إلا مصيره البائس الذي يذكر به فينساه [1] !

(1) - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ فِى النَّارِ غَمْسَةً. فَيُغْمَسُ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَىْ فُلاَنُ هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لاَ مَا أَصَابَنِى نَعِيمٌ قَطُّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاَءً. فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ غَمْسَةً فِى الْجَنَّةِ. فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً فَيُقَالُ لَهُ أَىْ فُلاَنُ هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ أَوْ بَلاَءٌ فَيَقُولُ مَا أَصَابَنِى قَطُّ ضُرٌّ وَلاَ بَلاَءٌ » .سنن ابن ماجه- المكنز - (4464 ) صحيح 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت