لِلشَّارِبِينَ ، وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ، ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ، وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ، وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ، وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ) [ النحل: 65 - 73 ] .
فهنا عرض مستفيض لآيات من آيات الله في الخلق وفي الرزق معًا في سياق واحد . فآية في الماء النازل من السماء بقدرة الله يحيي الأرض بعد موتها وينبت فيها الزرع . وآية في الأنعام يخرج الله من بطونها لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين . ومن أين يخرج هذا اللبن ؟ من بين فرث ودم . والفرث هو بقايا الغذاء المهضوم في الأمعاء . وتحول العصارات الهضمية إلى دم ، ومرور هذا الدم على أعضاء الجسم المختلفة يعطي كل واحد منها غذاءه ، ثم قيام كل عضو بوظيفته بعد أن يتلقى غذاءه من الدم ، وقيام الغدد اللبنية في الضرع بإفراز اللبن ، أو بعبارة أخرى تحول الفرث إلى دم ثم تحوله إلى لبن: كل ذلك من آيات الله المعجزة في الخلق [1] ، وهو كذلك من آيات الله في الرزق الذى من به على الإنسان0
وآية في النحل التى تأكل من رحيق الزهور وتخرج منه هذا الغذاء العجيب الذى لا تنحصر فائدته في خواصه الغذائية فحسب، بل هو شفاء لكثير من الأمراض. وهى كذلك آية في الخلق وفى الرزق في ذات الوقت، وآية في خلق البشر واختلاف أعمارهم. ثم إشارة إلى وضع كان قائمًا يومئذ عند العرب وهو وجود أرقاء بين أيديهم، يستخدمه القرآن
(1) لم تكن الأسرار العلمية الخاصة بتحول الفرث إلى دم ثم تحوله في الضرع إلى لبن معلومة للبشرية كلها وقت نزول القرآن، وإنما اكتشف ذلك كله من عهد قريب. وفى ذلك دليل لمن أراد الدليل على أن هذا القرآن من وحى الله، فما كان لبشر من علم يومئذ بهذه الأشياء 0