لتقريب القضية إلى أذهان المخاطبين به يومئذ، فيقول إن الله فضل بعضهم على بعض في الرزق فجعل بعضهم سادة وبعضهم عبيدًا، فهل يقبل السادة المفضلون أن يشركوا معهم عبيدهم في السيادة والسلطة فيصبحوا سواء هم وعبيدهم؟ فإذا كانوا لا يقبلون ذلك لأنفسهم فلماذا يقبلونه بالقياس إلى الله سبحانه وتعالى فيشركون معه عبادًا من عباده فيجعلونهم آلهة مع الله؟
ثم يعود إلى آية أخرى في الخلق والرزق فيشير إلى أن الله جعل لكم من أنفسكم - أي من جنسكم - أزواجًا وجعل لكم عن طريق الزواج بنين وحفدة ، ورزقكم من كل الطيبات ... أفتكون نتيجة ذلك كله الكفر بدلًا من الشكر ؟ والكفر الذي يمارسونه هو الموضح في الآية الأخيرة: ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ) .
وتبدو هذه العبادة شيئًا منكرًا بعد عرض هذه الآيات كلها على الوجدان والعقل . ويبدو الذين يمارسونها قومًا ناقصي الآدمية ، لآنهم يؤمنون بالباطل على غير أساس ، ويجحدون الحق بغير برهان .
* ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ، أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ، أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ، أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [ النمل: 59 - 64 ] .
( وقد سبق شرحه في الفصل السابق ) .
* ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) [ الحج: 73 ] .