أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ) ؟ والجواب لا بد أن يكون: لا ! فمن يقول إن الأعمى كالبصير ، وإن من يعلم كمن لا يعلم ؟!
والتعبير القرآني الجميل يوحي إلينا بأن من يعلم أن القرآن والوحي حق هو المبصر ، الذي يسير في الطريق على نور ، ولا يتخبط في سيره لأنه يرى ما حوله . بينما الذي يشك في الوحي ولا يتبعه هو الأعمى الذي يتخبط في الطريق لأنه لا يراه . وهذه حقيقة ، فإن المؤمن يعرف - من وحي إيمانه - ما هي غايته في الحياة ، وما الطريق الذي ينبغي أن يسلكه ليصل إلى غايته . فغايته هي إرضاء الله سبحانه وتعالى والتقرب إليه ، ووسيلته هي الأعمال الصالحة ، هي الطاعة لأوامر الله . بينما الكافر لا يعرف لماذا يعيش ، إلا لإرضاء ملذاته القريبة ، غافلًا عن النهاية التي تنتظره في آخر الطريق .
ثم يجيء التعقيب في نهاية الآية: ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) ، فالذين لهم عقول هم الذين يتذكرون ، وغيرهم لا يتذكر ولا يعتبر . والتعبير القرآني يوحي إلينا مرة أخرى أن الكافر ليس من أولي الألباب ، أي ليس له عقل . ذلك لأنه لا يفكر بهذا العقل الذي وهبه له الله ليفكر ويتدبر ، ويعرف عن طريق تدبره حقيقة الألوهية والربوبية .
( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ) . وأولو الألباب هم الذين وصفتهم الآية بأنهم الذي يعلمون أن ما أُنْزل على الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق . ولكن الآية الثانية تبيِّن لنا حقيقة عظيمة ينبغي لنا أن نتدبرها .
هل المطلوب من الإنسان هو أن"يعلم"مجرد علم بأن القرآن حق ؟ فقط ؟! وهل يكفي هذا عند الله ؟
إن الآية الثانية وما بعدها تبين لنا أثر هذا العلم في حياة الإنسان وسلوكه وتفكيره وشعوره ، فهؤلاء الذين علموا أن القرآن حق يصفهم الله سبحانه وتعالى بأنهم ( يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ) .
إذن فليس المطلوب هو مجرد"العلم"! بل إن هذا العلم ينبغي أن يحدث آثاره في حياة الإنسان ، وإلا أصبح بلا معنى ، وأصبح وجوده وعدمه سواء .