فلا يلزم من بعض الصفات صفةً أخرى، فأنت حينما تثبت صفةً اليد لله سبحانه وتعالى أو صفة القدم أو صفة الساق، فهل يلزم من ذلك أن تثبت لله جسمًا؟ هذا الذي فر منه المبتدعة، فنفوا صفات الله سبحانه وتعالى وأبطلوها، ولذلك يسمون أهل السنة: المجسمة، لأنهم يثبتون الأسماء والصفات لله سبحانه وتعالى، فهم يثبتون لله يدًا، ولله سمعًا وبصرًا وعينًا وقدمًا، ولله ساقًا مما جاء في صفات الله سبحانه وتعالى، قالوا: فهؤلاء يثبتون لله جسمًا، بناءً على قاعدتهم أو ما استقر في أذهانهم: أن الصفة يلزم منها صفة أخرى، وهذا اللزوم إنما حصل لشيء في نفوسهم من التشبيه، ولذلك توسع كثير من الغلاة في الإثبات فأثبتوا لله سبحانه وتعالى كثيرًا من الصفات ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان، فقالوا: إن الله عز وجل يتكلم، إذًا: فله لسان، و خلوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك، إذًا: فله أنف وأثبتوا صفة الشم ونحو ذلك، فهذا كله إنما حملهم على ذلك هو التشبيه الذي استقر في أذهانهم: أن معرفة الطيب لا تكون إلا بشم وأنف، وأن الكلام لا يكون إلا بلسان وفم، فهذا إنما حصل عندهم من التشبيه، وإلا لو قيل لهم: أن الله عز وجل يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ، فأبعد المثلية مطلقًا تبتعد حينئذ عن الأمرين، تبتعد عن التشبيه والتعطيل، وتبتعد أيضًا عن إحداث صفات أخرى يلزم من هذه الصفة التي تثبتها. ولذلك أهل السنة يمرون الصفات على ما هي عليه، يثبتونها حقيقةً لله سبحانه وتعالى من غير تأويل ولا تحريف، ولا تعطيل ولا تكييف، ويمسكون عما زاد عن ذلك ولا يفرعون، ولذلك حينما قال الإمام أحمد عليه رحمة الله في المسألة، قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، إنما حمله على ذلك قول الجهمية لأن أهل السنة لا يقولون بذلك، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، أي: أحدث هذه المسألة.