وحينما نشأ تقسيم الخبر إلى آحاد ومتواتر، ولم يكن له ثمرة من جهة البدعة، قد سكت عنه أئمة أهل السنة باعتبار أنه موافق للنظر، أن من الآحاد ما يرويه واحد عن واحد، ومنها ما هو كثرة بغلبة الظن أن الكثرة لا تتواطأ على الكذب وأن الواحد يتطرق إليه الخطأ، ولكنهم بعد ذلك قالوا: إن خبر الواحد يفيد الظن والمتواتر يفيد اليقين، ثم بعد ذلك جاءت طائفة أخرى قالوا: إن خبر الآحاد يفيد الظن والله عز وجل يقول في كتابه العظيم: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12] ، فردوا أخبار الآحاد، فمنهم من قال: نرد أخبار الآحاد في باب الاعتقاد، ومنهم من قال: لا نعمل بأخبار الآحاد مطلقًا، فعرضوها على أهوائهم فردوا كثيرًا من السنة من هذا الباب، وأصل هذه المسألة هو تقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر. فيقال: إن ما ثبت في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد يرويه واحد عن واحد إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يجب الإيمان به واعتقاده كما لو جاء في التواتر، ولذلك الله عز وجل قد أمر بطاعة نبيه وأمر بالتسليم له، والانقياد له، وقرن طاعته بطاعة نبيه عليه الصلاة والسلام مع أن القرآن كله متواتر، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها متواتر ومنها غير ذلك، فجعلها من جهة الإيمان والتسليم والطاعة سواء، ومن جهة المعصية والمخالفة سواء، ولذلك يقال: أن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي إسناد كان وصح ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب العمل به، ولكنه قد يستفاد من هذا في مسألة الكفر، فيقال: إن من أنكر أو جحد شيئًا متواترًا كفر، أو من تأول أو جحد شيئًا ليس بمتواتر فإنه لا يكفر. يقول: [رواه جرير عن مقال محمد فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح] .