ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ، وليس المراد بذلك القرب الحسي ولكنه الاستجابة، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى مفسرًا لهذا المعنى بقوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186] ، تفسيره: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] ، فهذا هو تفسير القرب: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] .
وقد ضل في هذا الباب من ضل من الجهمية الذين قالوا: إن المراد بذلك أن الله عز وجل في كل مكان، بل حملهم ذلك على أن يقولوا: إن الله سبحانه وتعالى حال بعباده، وأرادوا بذلك تنزيهًا، فقالوا: لا ينبغي أن يخلو منه مكان، وجعلوه سبحانه وتعالى حالا في عباده، تعالى الله عز وجل عن ذلك علوًا كبيرًا. بل قال غلاتهم: إن العابدين ما عبدوا إلا الله، ولذلك حار بعضهم فأنشد قائلًا: العبد رب والرب عبد فيا ليت شعري من المكلفواستدلوا ببعض الظواهر من القرآن كقول الله سبحانه وتعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] ، قالوا: قضى، والقضاء هو القدر، فيدل على أن الله قدر، ولا يكون إلا ما قدر، وذلك أن من عبد الشجر والحجر والوثن والصنم ما عبد إلا الله؛ لأن الله قضى ولا يكون إلا قضاؤه، ونسوا أن القضاء في كلام الله سبحانه وتعالى على معنيين: بمعنى القضاء والقدر، وبمعنى الأمر، ولذلك ثبت عن مجاهد بن جبر و عبد الله بن عباس عند قوله سبحانه وتعالى: وَقَضَى رَبُّكَ [الإسراء:23] ، قالا: أمر ووصى، وجاء أيضًا عن عبد الله بن مسعود.