فذكر الثلث الأول من الليل غير محفوظ، وذكر الثلث الثاني غير محفوظ أيضًا، والصواب روايتي: نزول الله سبحانه وتعالى في الثلث الأخير من الليل، وفي الشطر الأخير من الليل، والمراد بالشطر: النصف، قال: (إذا مضى الشطر الأول من الليل ينزل الله سبحانه وتعالى) ، فذكر نزول الله عز وجل في الثلث الأول من الليل أو الشطر الأول من الليل أو الثلث الأوسط غير محفوظ، والصواب نزول الله سبحانه وتعالى في الثلث الأخير والشطر الأخير من الليل، وذلك في كل ليلة ينزل الله سبحانه وتعالى، ولذلك جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة وغيره، قال: (إذا مضى ثلثا الليل ينزل الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا) ، وجاء في رواية: (إذا مضى شطر الليل الأول ينزل الله سبحانه إلى السماء الدنيا) .هنا وصف الله سبحانه وتعالى بالجبار فقال: [وقل ينزل الجبار في كل ليلة] : هذا الاسم لله سبحانه وتعالى قد جاء في قول الله: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر:23] ، وذكر هذه الصفة بخصوصها في هذا الموضع، لأن نزول الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا ليس نزولًا لصفة جبروته ونقصًا فيها ليطلع على عباده أو يدنو منهم، ولكن الله عز وجل علمه واحد على الكمال المطلق، وإحاطته بعباده على الإحاطة المطلقة، فهو سبحانه وتعالى يسمع القريب والبعيد على السواء؛ ولذلك يقول الله جل وعلا عن نفسه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] ، وهذا في كل وقت.
وإنما نزول الله سبحانه وتعالى في الثلث الأخير من الليل من باب التعظيم لهذا الوقت والتفضيل له عن غيره، لا من باب سماع الدعاء أو الإحاطة بأحوال العباد كما تبادر هذا المعنى إلى أذهان بعض المبتدعة فنفوا النزول كله، أرادوا بذلك تنزيهًا لله سبحانه وتعالى فوقعوا في أعظم من ذلك وهو التعطيل.