الوجه الثاني: هو أن مسألة تقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر مسألة لا تسلم، وذلك أن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب العمل به سواءً كان آحادًا أو متواترًا، وذلك أننا لو قلنا: بأن الآحاد التي تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأخبار التي تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها آحاد ومنها متواتر، فما هو الآحاد وما هو المتواتر؟ فقد اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في حد الآحاد كحد أعلى في التعريف المستفيض والمشهور، واتفقوا في تعريف أدناه: وهو الذي يرويه واحد عن واحد، واختلفوا في حد الأدنى من المتواتر على أقوال، ويقال لمن قال بتقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر: ما الفائدة من هذا التقسيم؟ قالوا: إن الخبر الذي يكون متواترًا فإنه يفيد علمًا ضروريًا. فيقال: إن العلم الضروري هو الذي يسلم به الإنسان من غير نظر، فكيف عرفت أن هذا الحديث متواتر؟ لم تعرفه إلا بالنظر في طرقه، ولذلك قد أثبت أنه متواتر بالنظر، فأنت أثبت حقيقةً بالنظر ثم بنيت عليها، وكذلك الآحاد لم يتبين لك أنه آحاد إلا بالنظر، ثم جعلت الإيمان به من باب النظر، فيقال: إن هذا التقسيم لا يفيد صحةً أو ضعفًا على قول الجميع، فإذا قالوا: إن الآحاد بأقسامه ما الفائدة من تقسيمه إلى غريب وعزيز ومشهور ومستفيض، هل يفيد ذلك صحةً أو ضعفًا؟ قالوا: لا، لا بد من النظر في الأسانيد، إذا كان لا بد من نظر في الأسانيد فما الفائدة من هذا التقسيم؟ هذا مما أدخله المتكلمون في علوم الاصطلاح وفي علوم الحديث، وهو مما لا فائدة فيه، بل قد اتكأ عليه أهل البدع في رد السنة، ومنها في هذا الموضع.