العاصفة، ولبثها في السقوف والجسور والأواني، وغير ذلك مما يُتّخذ منها. وهكذا سائر الخشب وغيرها إذا تأمَّلته شبه النسج، ولا تراه مصمتًا كالحجر الصلد، بل ترى بعضه كأنه داخل بعضًا طولًا وعرضًا كتداخل أجزاء اللحم بعضها في بعض؛ فإذا ذلك أمتن له وأهيأ لما يُراد منه؛ فإنه لو كان مصمتًا كالحجارة لم يمكن أن يستعمل في الآلات والأبواب والأواني والأمتعة والأسِرّة والتوابيت وما أشبهها.
ومن بديع الحكمة في الخشب أن جعل يطفو على الماء، وذلك للحكمة البالغة؛ إذ لولا ذلك لما كانت هذه السفن تحمل أمثال الجبال من الحمولات والأمتعة، وتمخر البحر مقبِلة ومُدبِرة، ولولا ذلك لما تهيّأ للناس هذه المرافق لحمل هذه التجارات العظيمة والأمتعة الكثيرة ونقلها من بلد إلى بلد، من حيث لو نقلت، في البرّ لعظمت المؤونة في نقلها وتعذّر على الناس كثير من مصالحهم.
ومن آياته وعجائب مصنوعاته: البحار المكتنفة لأقطار الأرض التي هي خلجان من البحر الأعظم المحيط بجميع الأرض، حتى أن المكشوف من الأرض والجبال والمدن بالنسبة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم، وبقية الأرض مغمورة بالماء؛ ولولا إمساك الربّ تبارك وتعالى له بقدرته ومشيئته وحبسه الماء، لطفح على الأرض وعلاها كلها؛ هذا طبع الماء. ولهذا حارَ عقلاء الطبيعيين في سبب بروز هذا الجزء من الأرض مع اقتضاء طبيعة الماء للعلو عليه وأن يغمره، ولم يجدوا ما يُحيلون عليه ذلك إلاّ الاعتراف بالعناية الأزلية، والحكمة الإلهية التي اقتضت ذلك لعيش الحيوان الأرضي في الأرض. وهذا حق ولكنه يُوجب الاعتراف بقدرة الله وإرادته ومشيئته وعلمه وحكمته وصفات كماله ولا محيص عنه» (10) .