واحد على حادث أو حالة أو شأن من الشؤون؛ فلكل منهما ميزان، ولكل منهما زاوية للنظر، ولكل منهما ضوء يرى عليه الأشياء والأحداث والقيم والأحوال. هذا يرى ظاهرًا من الحياة الدنيا، وذلك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن، ونواميس شاملة للظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والموت والحياة، والماضي والحاضر والمستقبل، وعالم الناس والعالم الأكبر الذي يشمل الأحياء وغير الأحياء» (44) .
إن من أخطر الأبواب التي يدخل منها الشيطان على العبد طول الأمل، والأماني الخادعة التي تجعل صاحبها في غفلة شديدة عن الآخرة، واغترار بزينة الحياة الدنيا، وتضييع ساعات العمر النفيسة في اللهث وراءها حتى يأتي الأجل الذي يقطع هذه الآمال، وتذهب النفس حسرات على ما فرطت في عمرها، وأضاعات من أوقاتها، ولكن اليقين بالرجوع إلى الله عز وجل، والتذكر الدائم لقصر الحياة الدنيا وأبدية الآخرة وبقائها هو العلاج النافع لطول الأمل وضياع الأوقات.
يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى: «فأما قصر الأمل: فهو العلم بقرب الرحيل، وسرعة انقضاء مدة الحياة. وهو من أنفع الأمور للقلب؛ فإنه يبعثه على معافصة الأيام، وانتهاز الفرص التي تمر مَرَّ السحاب، ومبادرة طَيَّ صحائف الأعمال. ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء، ويحثه على قضاء جهاز سفره، وتدارك الفارط، ويزهده في الدنيا، ويرغبه في الآخرة؛ فيقوم بقلبه - إذا داوم مطالعة قصر الأمل - شاهدٌ من شواهد اليقين يريه فناء الدنيا، وسرعة انقضائها، وقلة ما بقي منها، وأنها قد ترحلت مُدْبِرَة ولم يبق منها إلا صُبابة كصبابة الإناء يتصابُّها صاحبها، وأنها لم يبق منها إلا كما بقي من يوم صارت