وبعد هذه المقدمة التي لا بد منها حول ثمرات التفكير في الدنيا والآخرة أسوق ما تيسر من هذه الثمرات، والله ولي التوفيق:
إن الموقن بلقاء الله عز وجل يوم الفزع الأكبر لا تلقاه إلا حريصًا على أعماله، خائفًا من كل ما يحبطها من أنواع الشرك الأكبر، أو الشرك الأصغر؛ حيث إن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، فتصير هباءً منثورًا، والشرك الأصغر يحبط العمل الذي حصل فيه هذا النوع من الشرك؛ كيسير الرياء، والعجب، والمنِّ، وطلب الجاه والشرف في الدنيا؛ فكلما كان العبد موقنًا بلقاء ربه كان منه الحرص الشديد على ألا تضيع منه أعماله الصالحة في موقف القيامة، يوم أن يكون في أشد الأوقات حاجة إليها؛ ولذلك فهو يجاهد نفسه بحماية أعماله في الدنيا بالإخلاص فيها لله تعالى، لعل الله عز وجل أن ينفعه بها.
كما أن اليقين بالرجوع إلى الله عز وجل يجعل العبد في أعماله كلها متبعًا للرسول صلى الله عليه وسلم غير مبتدع ولا مبدل؛ لأن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا؛ قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: من الآية 110) .
إذا أكثر العبد ذكر الآخرة وكانت منه دائمًا على بال، فإن الزهد في الدنيا والحذر منها ومن فتنتها سيحلان في القلب، وحينئذ لا يكترث بزهرتها، ومن ثم لا يحزن على فواتها، ولا يمدن عينيه إلى من متعهم الله بها ليفتنهم فيها.