الواجب على المسلم أن يكون محاسبًا لنفسه دائمًا قبل أن يقول قولًا، أو يعمل عملًا، وبعد أن يقول أو يعمل. هذا هو الأصل في المحاسبة: أن تكون مصاحبة للعبد ما دام حيًا، وهذا من علامات توفيق الله عز وجل لعبده. وقد ذكر الإمامان ابن القيم وابن الجوزي - رحمهما الله تعالى - أوقاتًا في اليوم أو الليلة ينبغي أن يحافظ المسلم على محاسبته لنفسه فيها.
يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - وهو يتحدث عن الأسباب المنجية من عذاب القبر: «ومن أنفعها أن يجلس الرجل عندما يريد النوم لله ساعة يحاسب نفسه فيها على ما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد له توبة نصوحًا بينه وبين الله، فينام على تلك التوبة، ويعزم على ألا يعاود الذنب إذا استيقظ، ويفعل هذا كل ليلة، فإن مات من ليلته فعلى توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبلًا للعمل مسرورًا بتأخير أجله حتى يستقبل ربه، ويستدرك ما فاته، وليس للعبد أنفع من هذه النومة، ولا سيما إذا عقب ذلك بذكر الله واستعمال السنن التي وردت عن رسول الله > عند النوم حتى يغلبه النوم، فمن أراد الله به خيرًا وفقه لذلك ولا قوة إلا بالله» (22) .
ويقول ابن الجوزي - رحمه الله تعالى: «فإذا فرغ العبد من فريضة الصبح، ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة نفسه؛ فيقول للنفس: ما لي بضاعة إلا العمر، فإذا فني مني رأس المال وقع اليأس من التجارة، وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه، وأخّر أجلي، وأنعم عليَّ به. ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا حتى أعمل فيه صالحًا، فاحسبي يا نفس أنك قد توفيت ثم رددت، فإياك أن تضيعي هذا اليوم، واعلمي أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، وأن العبد ينشر له بكل يوم أربع وعشرون خزانة