فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 420

هذه هي إحدى خصائص الإنسان المميزة. وهي مع هذا ليست أكبر خصائصه، وليست أعلى مميزاته؛ فهنالك ذلك القبس العجيب من روح الله، هنالك الروح الإنساني الخاص الذي يصل هذا الكائن بجمال الوجود، وجمال خالق الوجود، ويمنحه تلك اللحظات المجنحة الوضيئة من الاتصال بالمطلق الذي ليس له حدود بعد الاتصال بومضات الجمال في هذا الوجود.

هذا الروح الذي لا يعرف الإنسان كنهه - وهل هو يعلم ما هو أدنى وهو إدراكه للمدركات الحسية؟! - والذي يمتعه بومضات من الفرح والسعادة العلوية، حتى وهو على هذه الأرض، ويصله بالملأ الأعلى، ويهيئه للحياة المرسومة بحياة الجنان والخلود، وللنظر إلى الجمال الإلهي في ذلك العالم السعيد!

هذا الروح هو هبة الله الكبرى لهذا الإنسان، وهو الذي به صار إنسانًا، وهو الذي يخاطبه باسمه: (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ) . ويعاتبه ذلك العتاب المخجل! (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ؛ هذا العتاب المباشر من الله للإنسان، حيث يناديه - سبحانه - فيقف أمامه مقصرًا مذنبًا مغترًا غير مقدر لجلال الله، ولا متأدب في جنابه. ثم يواجهه بالتذكير بالنعمة الكبرى، ثم بالتقصير وسوء الأدب والغرور!

إنه عتاب مذيب؛ حين يتصور «الإنسان» حقيقة مصدره، وحقيقة مخبره، وحقيقة الموقف الذي يقفه بين يدي ربه، وهو يناديه ذلك النداء، ثم يعاتبه هذا العتاب: (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) » (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت