الباب الثالث:
الخلل في التفكير: مظاهره وأسبابه
قد مر بنا في المباحث السابقة تفصيلٌ واستطرادٌ للمنهج الصحيح للتفكير وأصوله ومجالاته التي تنفع المتفكر فيها في الدنيا والآخرة. ولكن كم هم الذين يفكرون مثل هذا التفكير الصحيح النافع؟ إنهم القليل من عباد الله عز وجل، وهم أولئك الذين اهتدوا بما في كتاب الله تعالى من المنهج القويم للتفكير؛ (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: من الآية 9) .
وأما الكثير - وما أبرئ نفسي - فقد اعترى تفكيرهم جوانب من الخلل والمرض، ولكن ما بين مقل ومكثر. ولهذا الخلل أسباب عدة ومظاهر متعددة. وسأذكر في الصفحات القادمة إن شاء الله تعالى ما يفتح الله عز وجل به من هذه المظاهر، وأُضمِّن كُلَ مظهر ما يكون سببًا لظهوره وعلاجه. أسأل الله عز وجل التوفيق والسداد.
المظهر الأول: الغرور بالعقل والوثوق المطلق به:
العقل نعمة عظيمة من نعم الله عز وجل التي امتن بها على الإنسان، وخصه بها من بين المخلوقات في هذه الأرض؛ فهو الوسيلة إلى معرفة الله عز وجل، وإدراك ما جاءت به الرسل من عند الله تعالى والتفكر في ما خلق الله عز وجل في هذا الكون، والاستدلال بذلك على ربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وكذلك التفكير في شرعه تعالى وما فيه من المصالح، والمجال في هذا واسع، ومع ذلك فهو محدود بحدود لا يستطيع الفكر أن يعبرها لعدم قدرته على إدراك ما وراءها بفكره وعقله؛ لأنه لم يعط القدرة على ذلك، وإنما دوره في ذلك التسليم والانقياد لما جاء عن الله عز وجل،