المثال الخامس:
عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، داخلًا من بعض العَوَالي، والناس كنفتيه، فمر بجدي ميت أسك (17) ، فتناوله وأخذ بأُذنه، ثم قال: أيُّكم يحب أن هذا له بدرهم؟ قالوا: ما نحب أنَّه لنا بشي، ما نصنع به؟ إنه لو كان حيًا كان عيبًا فيه أنَّهُ أسكُّ. قال: «فوالله للدُّنيا أَهون على الله من هذا عليكم» (18) .
المثال السادس:
عن المطلب بن عبدالله عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان واقفًا بعرفات فنظر إلى الشمس حين تدلت مثل الترس للغروب فبكى واشتد بكاؤه. فقال له رجل عنده: يا أبا عبدالرحمن قد وقفت معك مرارًا لم تصنع هذا. فقال: ذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بمكاني هذا فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من دنياكم فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه» (19) .
في هذا الحديث بيان أن الدنيا كلها كيوم واحد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخره قبل غروب الشمس بيسير.
إن من معجزات هذا الدين العظيم أنه خرَّج رجالًا أفذاذًا زاهدين في هذه الدنيا الفانية، ولم يغتروا بزينتها وزخرفها، ومع ذلك كانوا فاعلين في دنيا الناس، لم يمنعهم زهدهم في الدنيا وحذرهم منها أن يصلحوا فيها ويدفعوا الفساد عن