فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 420

ثم يفتح له باب الحياء من الله، وهو أول شواهد المعرفة، وهو نور يقع في القلب، يُريه ذلك النور أنه واقف بين يدى ربه عز وجل. فيستحيي منه في خلواته، وجلواته. ويرزق عند ذلك دوام المراقبة للرقيب، ودوام التطلع إلى حضرة العلي الأعلى، حتى كأنه يراه ويشاهده فوق سماواته، مستويًا على عرشه، ناظرًا إلى خلقه، سامعًا لأصواتهم، مشاهدًا لبواطنهم. فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطى عليه كثيرًا من الهموم بالدنيا وما فيها؛ فهو في وجود والناس في وجود آخر؛ هو في وجود بين يدي ربه ووليه، ناظرًا إليه بقلبه، والناس في حجاب عالم الشهادة في الدنيا. فهو يراهم وهم لا يرونه، ولا يرون منه إلا ما يناسب عالمهم ووجودهم.

ثم يفتح له باب الشعور بمشهد القيومية، فيرى سائر التقلبات الكونية وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده؛ فيشهده مالكَ الضر والنفع، والخلق والرزق، والإحياء والإماتة؛ فيتخذه وحده وكيلا، ويرضى به ربًا ومدبرًا وكافيًا، وعند ذلك إذا وقع نظره على شيء من المخلوقات دله على خالقه وبارئه، وصفات كماله ونعوت جلاله. فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه؛ بل يناديه كل من المخلوقات بلسان حاله: اسمع شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه؛ فأنا صنع الله الذي أتقن كل شيء» (43) ا. هـ.

خامسًا: سماع القرآن من قارئ حسن الصوت يخشى الله ويتقيه:

ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله» (44) .

وفي هذا تحريكٌ للقلوب وعونٌ على تدبر كتاب الله عز وجل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على سماع القرآن من غيره ومحبًا له؛ فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت