فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 420

عليه بالصبر، ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) (البقرة: من الآية 216) ، وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر. أما الضراء فظاهر، وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. فلهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين، لكن لما كان في السراء اللذة، وفي الضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء. قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ) - إلى قوله - (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (( هود: 9 - 11) ، وأيضًا صاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر، فإن صبر هذا وشكر هذا واجب، وأما صبر السراء فقد يكون مستحبًا، وصاحب الضراء قد يكون الشكر في حقه مستحبًا، واجتماع الشكر والصبر يكون مع تألم النفس وتلذذها، وهذا حال يعسر على كثير وبسطه له موضع آخر.

والمقصود: أن الله تعالى منعم بهذا كله، وإن كان لا يظهر في الابتداء لأكثر الناس؛ فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، وأما ذنوب الإنسان فهي من نفسه، ومع هذا فهي مع حسن العاقبة نعمة، وهي نعمة على غيره لما يحصل له بها من الاعتبار، ومن هذا قوله: «اللهم لا تجعلني عبرة لغيري، ولا تجعل غيري أسعد بما علمتني مني» ، وفي دعاء القرآن: (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (يونس: من الآية 85) ، وكما فيه: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: من الآية 74) ، واجعلنا أئمة لمن يقتدي بنا، ولا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا، والآلاء في اللغة هي النعم، وهي تتضمن القدرة» (26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت