الثانية: جحود النّعم كلّها أو بعضها، مع تفاوت نسب الجحود بين الناس، من جحود عامّ وظاهر إلى جحود خفي، وهذا منهم كُفران للنعمة.
ويوجد في الناس مؤمنون عصاة يتصفون بمقدار لا يتعارض مع صحة الإيمان والإسلام من هاتين الرذيلتين، مع تفاوت بينهم.
ويوجد في الناس كافرون، وهم الأكثرون، وهم ظلومون كفّارون من مستوى دركات سفلى تتنافى مع صحة الإيمان والإسلام.
وقد تكون آية (النحل) قد راعت ظلم عصاة المؤمنين وكفرانهم للنعمة، فجاء في آخرها: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) أي لغفور لذنوبهم رحيم بهم، وطُوي فيها وصف ظلمهم وكفرانهم، مع ملاحظة ذلك تقديرًا.
أمّا آية (إبراهيم) فقد تحدثت عن ظلم الكافرين وكفرانهم للنعمة، لذلك جاء في آخرها (إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) أي: إنّ الإنسان الكافر، كثير الظلم والكفران لنعم الله، أخذًا من دلالة صيغتي المبالغة، وأطلق جنس الإنسان باعتبار أن الأكثر منه كذلك.
وإذا كان من صفات الإنسان الظلم والكفران، فمن صفات الله في مقابل ذلك أنّه غفور رحيم، فجاء في مقابل صفة الظلم في الإنسان صفة الغفران عند الله إذا استغفر الإنسان، وجاء في مقابل صفة كفر النعمة عند الإنسان، صفة الرحمة عند الله.
فتكامل النصان من جهة، ودلّت خواتيم الآيتين على معانٍ لم نكن نفهمها لولاها» (17) .