فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 420

ثانيًا: من آيات الله عز وجل في خلق الحيوان:

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى: «تأمل الحكم البالغة في إعطائه سبحانه بهيمة الأنعام الأسماع والأبصار، ليتم تناولها لمصالحها ويُكمِل انتفاع الإنسان بها؛ إذ لو كانت عمياء أو صمّاء لم يتمكّن من الانتفاع بها، ثم سلبها العقول على كبر خلقها التي للإنسان ليتمّ تسخيره إيّاها، فيقودها ويصرفها حيث شاء؛ ولو أُعطيت العقول على كبر خلقها لامتنعت من طاعته، واستعصت عليه، ولم تكن مسخّرة له. فأُعطيت من التمييز والإدراك ما تتمّ به مصلحتها ومصلحة مَن ذلك له، وسُلِبت من الذِّهن والعقل ما ميّز به عليها الإنسان وليظهِر أيضًا فضيلة التمييز والاختصاص.

ثم تأمّل كيف قادها وذلّلها على كبر أجسامها، ولم يكن يطيقها لولا تسخيره؛ قال الله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (الزخرف:12، 13) . أي: مطيقين ضابطين: وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) (يّس:71، 72) ؛ فترى البعير على عظم خلقته يقوده الصبي الصغير ذليلًا منقادًا؛ ولو أُرسِل عليه لسوّاه بالأرض، ولفصله عضوًا عضوًا؛ فسَلْ المعطِّل من الذي ذلّله وسخّره وقاده على قوَّته لبشر ضعيف من أضعف المخلوقات؛ وفرَّغ بذلك التسخير النوع الإنساني لمصالح معاشه ومعاده؛ فإنه لو كان يُزاول من الأعمال والأحمال ما يزاول الحيوان لشغل بذلك عن كثيرٍ من الأعمال؛ لأنه كان يحتاج إلى مكان الجمل الواحد إلى عدّة أناسي يحملون أثقاله وحمله، ويعجزون عن ذلك، وكان ذلك يستفرغ أوقاتهم ويصدّهم عن مصالحهم، فأعينوا بهذه الحيوانات، مع ما لهم فيها من المنافع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت