فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 420

التي لا يحصيها إلاّ الله من الغذاء والشراب والدواء واللباس والأمتعة والآلات والأواني والركوب والحرث والمنافع الكثيرة والجَمَال ...

ثم تأمّل العبرة التي ذكرها الله عزّ وجل في الأنعام، وما سقانا من بطونها من اللبن الخالص السائغ الهنيء المريء الخارج من بين الفرث والدم فتأمّل كيف ينزل الغذاء من أفواهها إلى المعدة ... فيدخل في أوردة الكبد فينصبّ من تلك العروق إلى الضرع فيقلبه الله تبارك وتعالى في صورة الدم وطبعه وطعمه إلى صورة اللبن وطبعه وطعمه، فاستخرج من الفرث والدم، فسَلَ المعطل الجاحد: من الذي دبّر هذا التدبير وقدّر هذا التقدير وأتقن هذا الصنع ولطف هذا اللطف سوى اللطيف الخبير؟ ...

ثم تأمّل هذه النملة الضعيفة، وما أعطيته من الفطنة أو الحيلة في جمع القوت، وادّخاره وحفظه ودفع الآفة عنه؛ فإنك ترى في ذلك عِبَرًا وآيات، فترى جماعة النمل إذا أرادت إحراز القوت خرجت من أسرابها طالبة له، فإذا ظفرت به أخذت طريقًا من أسرابها إليه وشرعت في نقله؛ فتراها رفقتين: رفقة حاملة تحمله إلى بيوتها سربًا ذاهبًا ورفقة خارجة من بيوتها إليه لا تخالط تلك في طريقها، بل هما كالخيطين بمنزلة جماعة الناس الذاهبين في طريق والجماعة الراجعين من جانبهم؛ فإذا ثقل عليها حمل الشيء من تلك اجتمعت عليه جماعة من النمل وتساعدت على حمله؛ بمنزلة الخشبة والحجر الذي تتساعد الفئة من الناس عليه؛ فإذا كان الذي ظفر به منهنّ واحدة ساعدها رفقتها عليه إلى بيتها، وخلّوا بينها وبينه، وإن كان الذي صادفه جماعة تساعدن عليه ثم تقاسمنه على باب البيت. ولقد أخبر بعض العارفين أنه شاهد منهنّ يومًا عجبًا. قال: رأيت نملة جاءت إلى شقّ جرادة فزاولته فلم تُطِقْ حمله من الأرض فذهبت غير بعيد ثم جاءت معها بجماعة من النمل، قال: فرفعْتُ ذلك الشقّ من الأرض؛ فلما وصلت النملة برفقتها إلى مكانه دارت حوله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت