ودرن معها فلم يجدن شيئًا فرجعن، فوضعْتُه، ثم جاءت فصادفته، فزاولته فلم تُطِق رفعه، فذهبت غير بعيد ثم جاءت بهنّ، فرفعْتُه، فدرن حول مكانه، فلم يجدن شيئًا فذهبن، فوضعْتُه، فعادت فجاءت بهنّ، فرفعْتُه، فدرن حول المكان، فلما لم يجدن شيئًا تحلّقن حلقة وجعلن تلك النملة في وسطها، ثم تحاملن عليها فقطَّعنها عضوًا عضوًا وأنا أنظر. ومن عجيب أمر الفطنة فيها إذا نقلت الحبّ إلى مساكنها كسرته لئلا ينبت، فإن كان مما ينبت الفلقتان منه كسرته أربعًا، فإذا أصابه ندى وبلل وخافت عليه الفساد أخرجته للشمس، ثم تردّه إلى بيوتها. ولهذا ترى في بعض الأحيان حبًّا كثيرًا على أبواب مساكنها مكسَّرًا ثم تعود عن قريب فلا ترى منه واحدة. ومن فطنتها ما نصّ الله عزّ وجلّ في كتابه من قولها لجماعة النمل - وقد رأت سليمان عليه الصلاة والسلام وجنوده: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (النمل: من الآية 18) ؛ فتكلمت بعشرة أنواع من الخطاب في هذه النصيحة: النداء، والتنبيه، والتسمية، والأمر، والنصّ، والتحذير، والتخصيص، والتفهيم، والتعميم، والاعتذار. فاشتملت نصيحتها مع الاختصار على هذه الأنواع العشرة. ولذلك أعجب سليمان قولها وتبسّم ضاحكًا منه، وسأل الله أن يوزعه شكر نعمته عليه لمَّا سمع كلامها. ولا يُستَبعَد هذه الفطنة من أمة من الأمم تسبِّح بحمد ربِّها كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج ثم أحرق قرية النمل. فأوحى الله إليه: من أجل أن لدغتك نملة أحرقت أُمة من الأمم تسبّح، فهلاَّ نملة واحدة» (11) .
ثم تأمّل العبرة في السَّمك وكيفية خلقته، وأنه خلق غير ذي قوائم لأنه لا يحتاج إلى المشي إذ كان مسكنه الماء، ولم يخلق له رئة لأن منفعة الرئة التنفّس والسمك لم يحتج إليه لأنه ينغمس في الماء، وخُلِقت له عِوَض القوائم أجنحة