فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 420

شِداد يقذف بها من جانبيه كما يقذف صاحب المركب بالمقاذيف من جانبي السفينة، وكسى جلده قشورًا متداخلة كتداخل الجوشن ليَقِيه من الآفات، وأُعين بقوة الشم لأن بصره ضعيف والماء يحجبه؛ فصار يشمّ الطعام من بعد فيقصده. وقد ذكر في بعض كتب الحيوان أن من فيه إلى صماخه منافذ فهو يصبّ الماء فيها بفيه، ويرسل من صماخيه فيتروّح بذلك كما يأخذ الحيوان النسيم البارد بأنفه ثم يرسله ليروّح به؛ فإن الماء للحيوان البحري كالهواء للحيوان البرّي؛ فهما بحران أحدهما ألطف من الآخر: بحر هواء يسبح فيه حيوان البرّ، وبحر ماء يسبح فيه حيوان البحر؛ فلو فارق كلٌّ من الصنفين بحره إلى البحر الآخر مات؛ فكما يختنق الحيوان البرّي في الماء يختنق الحيوان البحري في الهواء، فسبحان من لا يُحصي العادّون آياته ولا يحيطون بتفصيل آية منها على الانفراد؛ بل إن علموا فيها وجهًا جهلوا منها أوجهًا.

فتأمّل الحكمة البالغة في كون السمك أكثر الحيوان نسلًا؛ ولهذا ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يُحصى كثرةً. وحكمة ذلك أن يتسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان؛ فإن أكثرها يأكل السمك حتى السِّباع لأنها في حافّات الآجام جاثمة تعكف على الماء الصافي، فإذا تعذّر عليها صيد البرّ رصدت السمك فاختطفته؛ فلما كانت السِّباع تأكل السمك، والطير تأكله، والناس تأكله، والسماك الكبار تأكله، ودواب البرّ تأكله، وقد جعله الله سبحانه غذاءً لهذه الأصناف اقتضت حكمته أن يكون بهذه الكثرة. ولو رأى العبد ما في البحر من ضروب الحيوانات والجواهر والأصناف التي لا يحصيها إلاَّ الله، ولا يعرف الناس منها إلاّ الشيء القليل الذي لا نسبة له أصلًا إلى ما غاب عنهم لرأى العجب، ولعلِمَ سِعَة مُلْك الله وكثرة جنوده التي لا يعلمها إلا هو ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت