ثم تأمّل أحوال النحل وما فيها من العِبَر والآيات، فانظر إليها وإلى اجتهادها في صنعة العسل، وبنائها البيوت المسدسة التي هي من أتمّ الأشكال وأحسنها استدارة وأحكمها صنعًا؛ فإذا انضمّ بعضها إلى بعض لم يكن بينها فرجة ولا خلل. كلّ هذا بغير مقياس ولا آلة ولا بيكار. وتلك من أثر صنع الله وإلهامه إياها وإيحائه إليها؛ كما قال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) إلى قوله: (لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 68، 69) ؛ فتأمّل كمال طاعتها وحُسْن ائتمارها لأمر ربّها: اتخذت بيوتها في هذه الأمكنة الثلاثة: في الجبال الشقفان، وفي الشجر، وفي بيوت الناس حيث يعرشون - أي يبنون العروش وهي البيوت - فلا يُرى للنحل بيت غير هذه الثلاثة البتّة.
وتأمّل كيف أكثر بيوتها في الجبال والشقفان - وهو البيت المقدّم في الآية - ثم في الأشجار - وهي من أكثر بيوتها - ومما يعرش الناس، وأقلّ بيوتها بينهم حيث يعرشون. وأما في الجبال والشجر فبيوت عظيمة يؤخذ منها من العسل الكثير جدًّا، وتأمل كيف أدّاها حُسْن الامتثال إلى أن اتخذت البيوت أولًا، فإذا استقرّ لها بيت خرجت منه فرَعَت وأكلت من الثمار، ثم آوت إلى بيوتها لأن ربّها سبحانه أمرها باتخاذ البيوت أولًا ثم بالأكل بعد ذلك، ثم إذا أكلت سلكت سُبُل ربّها مذلّلة لا يستوعر عليها شيء؛ ترعى ثم تعود.
ومن عجيب شأنها أن لها أميرًا يسمى اليعسوب لا يتم لها رواح ولا إياب ولا عمل ولا مرعى إلاّ به؛ فهي مؤتمرة لأمره، سامعة له مُطيعة، وله عليها تكليف وأمر ونهي، وهي رعيّة له منقادة لأمره، متبعة لرأيه يدبّرها كما يدبّر الملك أمر رعيّته، حتى أنها إذا آوت إلى بيوتها وقف على باب البيت فلا يدع واحدة تزاحم الأخرى ولا تتقدّم عليها في العبور، بل تعبر بيوتها واحدة بعد واحدة