وتأمّل حُسْن اقتران التمام بالنعمة وحُسْن اقتران الكمال بالدين وإضافة الدين إليهم؛ إذ هم القائمون به المقيمون له، وأضاف النعمة إليه؛ إذ هو وليّها ومُسدِيها والمُنِعم بها عليهم؛ فهي نعمته حقًا، وهم قابلوها. وأتى في الكمال باللاّم المؤذنة بالاختصاص وأنه شيء خُصُّوا به دون الأمم، وفي إتمام النعمة بعلى المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والإحاطة؛ فجاء (أتممت) في مقابلة (أكملت) ، و (عليكم) في مقابلة (لكم) و (نعمتي) في مقابلة (دينكم) ، وأكد ذلك وزاده تقريرًا وكمالًا وإتمامًا للنعمة بقوله: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) (المائدة: من الآية 3) (32) .
أولًا: معايشة معاني الآيات والملابسات التي صاحبت نزولها:
وقد كان للصحابة رضي الله عنهم أوفر الحظ والنصيب من هذه المعايشة ولذلك كانوا أعظم الناس تدبرًا للقرآن؛ لما شاهدوه من القرآئن والأحوال التي اختصوا بها، فحصل لهم الفهم التام والعلم الصحيح (33) .
وبقدر ما يعيش المسلم تلك الأجواء والظروف والملابسات التي تنزَّل فيها القرآن يحصل له من التأثر والتدبر ما لا يحصل للخلي من ذلك.
وفي ذلك يقول سيد قطب - رحمه الله تعالى: «ولا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم إلا من يواجه مثل هذه الظروف التي واجهتها أول مرة؛ هنا تتفتح النصوص عن رصيدها المذخور، وتتفتح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة، وهنا تتحول تلك النصوص من كلمات وسطور إلى قوى وطاقات، وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها؛ تنتفض خلائق حية موحية، دافعة، دافقة،