الباب الثاني
أقسام التفكر ومجاريه ومجالاته
إن أصل كل خيرٍ وشر مبدؤه الفكر والتفكير؛ فمن الناس من تفكيره في ما يضره في الدنيا والآخرة، ومنهم من يصرف تفكيره في ما ينفعه في الدنيا والآخرة. والفكر يثمر إرادة فعزيمة فعمل. ولما كان عمر الإنسان قصيرًا، والموت يأتي بغتة، فلا جرم كان على العبد أن ينتهز دقائق عمره وساعاته فيما ينفعه في آخرته، وأن يحافظ على أفكاره من أن تذهب سدى لا ينتفع منها، فضلًا عن أن تكون فيما من شأنه ضرره وهلاكه.
وقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - مجاري الفكر وأصوله التي لا يخرج تفكير الإنسان عنها؛ يقول - رحمه الله تعالى - «فإن قيل: قد ذكرتم الفكر ومنفعته وعظم تأثيره في الخير والشرّ، فما متعلقه الذي ينبغي أن يوقع عليه ويجري فيه؟ فإنه لا يتم المقصود منه إلاّ بذكر متعلّقه الذي يقع الفكر فيه، وإلاّ ففكر بغير مُتفَكَّر فيه مُحال.
قيل: مجرى الفكر ومتعلقه أربعة أمور:
أحدها: غاية محبوبة مُرادة الحصول.
الثاني: طريق مُوصِلة إلى تلك الغاية.
الثالث: مضرة مطلوبة الإعدام مكروهة الحصول.
الرابع: الطريق المُفضي إليها المُوقع عليها.