فلا تتجاوز أفكار العقلاء هذه الأمور الأربعة. وأي فكر تخطّاها فهو من الأفكار الردِيّة والخيالات والأماني الباطلة؛ كما يتخيل الفقير المعدم نفسه من أغنى البشر، وهو يأخذ ويعطي وينعم ويحرم، وكما يتخيل العاجز نفسه من أقوى الملوك وهو يتصرّف في البلاد والرعيّة، ونظير ذلك من أفكار القلوب الباطولية التي من جنس أفكار السكران والمحشوش والضعيف العقل. فالأفكار الرديّة هي قوت الأنفس الخسيسة التي هي في غاية الدناءة؛ فإنها قد قنعت بالخيال ورضيت بالمُحال، ثم لا تزال هذه الأفكار تقوى بها وتتزايد حتى توجب لها آثارًا ردّية ووساوس وأمراضًا بطيئة الزوال.
وإذا كان الفكر النافع لا يخرج عن الأقسام الأربعة التي ذكرناها فله أيضًا محلاّن ومنزلان: أحدهما: هذه الدار، والآخر: دار القرار.
فأبناء الدنيا الذين ليس لهم في الآخرة من خلاق عمّروا بيوت أفكارهم بتلك الأقسام الأربعة في هذه الدار، فأثمرت فهم أفكارهم فيها ما أثمرت، ولكن إذا حقّت الحقائق، وبطلت الدنيا، وقامت الآخرة تبيّن الرابح من المغبون، وخسر هنالك المبطلون. وأبناء الآخرة الذين خلقوا لها عمّروا بيوت أفكارهم على تلك الأقسام الأربعة فيها.
ونحن نفصّل ذلك بعون الله وفضله فنقول: كل طالب لشيء فهو مُحبّ له مؤثر لقربه، ساعٍ في طريق تحصيله، متوصّل إليه بجهده، وهذا يُوجِب له تعلّق أفكاره بجمال محبوبه وكماله وصفاته التي يُحَبّ لأجلها وتعلّقها بما يناله به من الخير والفرح والسرور؛ ففكره في حال محبوبه دائر بين الجمال والإجمال والحسن والإحسان، فكلما قويت محبّته ازداد هذا الفكر وقوي وتضاعف حتى يستغرق أجزاء القلب، فلا يبقى فيه فضل لغيره بل يصير بين الناس بقالبه وقلبه كله في حضرة محبوبه، فإن كان هذا المحبوب هو المحبوب الحقّ الذي لا