تنبغي المحبة إلا له، ولا يحبّ غيره إلاّ تبعًا لمحبته فهو أسعد المحبّين به، وقد وضع الحبّ موضعه وتهيأت نفسه لكمالها الذي خلقت له والذي لا كمال لها بدونه بوجه.
وإن كانت تلك المحبة لغيره من المحبوبات الباطلة المتلاشية التي تفنى وتبقى حزازات القلوب بها على حالها، فقد وضع المحبة في غير موضعها، وظلم نفسه أعظم ظلم وأقبحه وتهيّأت بذلك نفسه لغاية شقائها وألمها.
وإذا عُرِف هذا عُرِف أن تعلّق المحبّة بغير الإله الحق هو عين شقاء العبد وخسرانه؛ فأفكاره المتعلقة بها كلها باطلة، وهي مُضِرّة عليه في حياته وبعد موته. والمُحِبّ الذي قد ملك المحبوب أفكارَه قلبُه لا يخرج فكره عن تعلّقه بمحبوبه أو بنفسه. ثم فكره في محبوبه لا يخرج من حالتين: أحدهما: فكرته في جماله وأوصافه. والثانية: فكرته في أفعاله وإحسانه وبرّه ولطفه الدالة على كمال صفاته.
وإن تعلّق فكره بنفسه لم يخرج أيضًا عن حالتين: إما أن يفكر في أوصافه المسخوطة التي يبغضها محبوبه ويمقته عليها ويسقطه من عينه؛ فهو دائمًا يقع بفكره عليها ليتجنبها ويبعد منها.
والثانية: أن يفكّر في الصفات والأخلاق والأفعال التي تقرّبه منه وتحبّبه إليه حتى يتّصف بها؛ فالفكرتان الأولتان تُوجِب له زيادة محبته وقوتها وتضاعفها، والفكرتان الآخرتان توجب محبة محبوبه له وإقباله عليه وقربه منه وعطفه عليه، وإيثاره على غيره؛ فالمحبة التامّة مستلزمة لهذه الأفكار الأربعة.
فالفكرة الأولى والثانية تتعلق بعلم التوحيد، وصفات الإله المعبود سبحانه وأفعاله.