فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 420

عن سرار أبي عبيدة، قال: قالت لي امرأة عطاء السليمي: عاتب عطاء في كثرة البكاء، فعاتبته، فقال لي: يا سرار، كيف تعاتبني في شيء ليس هو إليَّ؟! إني إذا ذكرتُ أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه، تمثلت لي نفسي بهم، فكيف بنفس تُغَلُّ يدُها إلى عنقها، وتُسحب إلى النار، ألا تصيح وتبكي؟ وكيف لنفس تُعَذَّب ألا تبكي؟ ويحك يا سرار! ما أقل غَنَاء البكاء عن أهله إن لم يرحمهم الله (35) .

والآثار في تفكر السلف في الآخرة والاستعداد لها كثيرة جدًا، فأين نحن منهم؟ نعم؛ أين نحن من حال سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى؟ مع أنهم يتميزون عنا بقوة الإيمان، وكثرة الأعمال الصالحة، وقلة الذنوب، وشدة خشيتهم لله تعالى، كما أن زمانهم يتميز عن زماننا بصلاح أهله، وبكون الدنيا لم تفتح عليهم انفتاحها علينا اليوم. نسأل الله عز وجل أن يوقظنا من غفلتنا، وأن يرزقنا الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور (*) .

إن في التفكر في حقيقة الدنيا واليوم الآخر وأنبائه العظيمة لآثارًا واضحة وثمارًا طيبة، لا بد أن تظهر على قلب العبد ولسانه وجوارحه، وعلى حياته كلها، ولكن هذا التفكير وحده لا يكفي حتى ينضم إليه الصبر، ومجاهدة الشهوات والعوائق.

فالملاحظ على كثير منا أنه مع يقينه باليوم الآخر وأهواله إلا أن ثمرات هذا اليقين ضعيفة، فلا بد إذن من سبب لهذا الضعف.

ويجلي هذه المسألة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فيقول: «فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت