فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 420

وعن عون بن عبد الله بن عتبة قال: إن من كان قبلكم كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم اليوم تجعلون لآخرتكم ما فضل من دنياكم (32) .

ويقول ابن الجوزي - رحمه الله تعالى: «هِمَّةُ المؤمن متعلقة بالآخرة؛ فكلُّ ما في الدُّنيا يُحرِّكُهُ إلى ذكر الآخرة. وكلُّ من شغله شيءُ فهمته شغله؛ ألا ترى أنَّه لو دخل أربابُ الصنائع إلى دارٍ معمورةٍ رأيت البزَّازَ ينظرُ إلى الفرشِ ويحرزُ قيمته، والنَّجَّارَ إلى السَّقْفِ، والبَّناءَ إلى الحيطان، والحائكَ إلى النسيج المخيط ...

والمؤمن إذا رأى ظلمة، ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلمًا ذكر العقاب، وإن سمع صوتًا فظيعًا ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نيامًا ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذةً ذكر الجنة؛ فهمتُهُ متعلقةٌ بما ثَمَّ، وذلك يشغله عن كل ما تم.

وأعظمُ ما عندَه أنه يتخايلُ دوام البقاء في الجنة، وأنَّ بقاءه لا ينقطع ولا يزالُ ولا يعتريه منغصٌ، فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبًا في تلك اللَّذَّات الدائمة التي لا تفنى يطيشُ فَرَحًا، ويسهُلُ عليه ما في الطريق إليها من ألم، ومرض، وابتلاءٍ، وفقد محبوبٍ، وهُجوم الموت ومعالجةِ غُصَصِهِ؛ فإنَّ المشتاق إلى الكعبة يهونُ عليه رمْلُ زَرُودَ، والتائِقُ إلى العافية لا يبالي بمرارة الدواء، ويعلم أن جوْدَةَ الثمر ثَمَّ على مقدار جودَةِ البَذْرِ ها هُنا؛ فهو يتخيَّرُ الأجودَ، ويغتنم الزرع في تشرين العمر من غير فتورٍ. ثم يتخايلُ المؤمن دخول النار والعقوبة، فيتنغص عيشهُ ويقوى قلقُه. فعنده بالحالين شغل عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة، وفي صحراء الخوف أخرى، فما يرى البنيان» (33) .

قال الأعمش: إن كنا لنشهد الجنازة؛ فما ندري مَنْ نعزي مِنْ حزن القوم (34) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت