وعن قيس أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه بكى، فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، فقال: «إني أنبئت أني وارد، ولم أنبأ أني صادر» (27) .
وعن زياد بن ماهك قال: كان شداد بن أوس يقول: إنكم لن تَروْا من الخير إلا أسبابه، ولن تَروا من الشر إلا أسبابه. الخير كله بحذافيره في الجنة، والشر بحذافيره في النار، وإن الدنيا عَرَضٌ حاضر يأكل منها البَرّ والفاجر، والآخرةُ وعْد صادق يحكم فيها ملك قاهر، ولكلٍ بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا (28) .
وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس الأنصاري رضي الله عنه أنه كان إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه، لا يأتيه النوم فيقول: اللهم إن النار أذهبت مني النوم، فيقوم يصلي حتى يصبح (29) .
وعن عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك، قال: بكى عمر بن عبد العزيز، فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء. فلما تجلَّى عنهم العَبْرُ قالت فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين! ممَّ بكيت؟ قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدي الله: فريق في الجنة، وفريق في السعير، ثم صرخ وغُشي عليه (30) .
عن الحسن أن رجلًا من الصدر الأول حضره الموت فجعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما أبكي على شيء تركته بعدي إلا ثلاث خصال: ظمأ الهاجرة في يوم بعيد ما بين الطرفين، أو ليلة أبيت فيها أراوح بين جبهتي وقدمي، أو غدوة وروحة في سبيل الله عز وجل (31) .