يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
«فتأمل خلق السماوات، وارجع البصر فيها كرة بعد كرة تراها من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها ... ولا عمد تحتها، ولا علاقة فوقها، بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا. ثم تأمل استواءها واعتدالها فلا صدع فيها ولا فطر ولا شق ولا أمت ولا عوج. ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو من أحسن الألوان وأشدها موافقه للبصر وتقوية له ...
ثم تأمّل حال الشمس والقمر في طلوعهما وغروبهما لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعهما لبطل أمر العالم، وكيف كان الناس يسعون في معائشهم ويتصرّفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم؟ وكيف كانوا يتهنّون بالعيش مع فَقْد النور؟ ثم تأمّل الحكمة في غروبهما؛ فإنه لولا غروبهما لم يكن للناس هدوء ولا قرار، مع فَرْط الحاجة إلى السُّبات، وجموم الحواس، وانبعاث القِوى الباطنة وظهور سلطانها في النوم المُعين على هضم الطعام، وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء. ثم لولا الغروب لكانت الأرض تحمى بدوام شروق الشمس واتّصال طلوعها حتى يحترق كلّ ما عليها من حيوان ونبات، فصارت تطلع وقتًا بمنزلة السّراج يُرفَع لأهل البيت ليقضوا حوائجهم، ثم تغيب عنهم مثل ذلك ليقّروا ويهدؤوا. وصار ضياء النهار مع ظلام الليل وحرّ هذا مع برد هذا مع تضادّهما متعاونين متظاهرين؛ بهما تمام مصالح العالم. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبّه عباده عليه بقوله عزّ وجلّ: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا