يقول هذا الآن! ومن قبل راغ دارون صاحب نظرية النشوء والارتقاء من مواجهة هذا السؤال!
ثم تلك الرياح المتحولة من وجهة إلى وجهة، وذلك السحاب المحمول على هواء، المسخر بين السماء والأرض، الخاضع للناموس الذي أودعه الخالق هذا الوجود. إنه لا يكفي أن تقول نظرية ما تقوله عن أسباب هبوب الريح، وعن طريقة تكون السحاب. إن السر الأعمق هو سر هذه الأسباب؛ سر خلقة الكون بهذه الطبيعة وبهذه الأوضاع التي تسمح بنشأة الحياة ونموها وتوفير الأسباب الملائمة لها من رياح وسحاب ومطر وتربة. سر هذه الموافقات التي يعد المعروف منها بالآلاف، والتي لو اختلت واحدة منها ما نشأت الحياة أو ما سارت هذه السيرة. سر التدبير الدقيق الذي يشي بالقصد والاختيار، كما يشي بوحدة التصميم ورحمة التدبير.
إن في ذلك (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) .. نعم لو ألقى الإنسان عن عقله بلادة الألفة والغفلة، فاستقبل مشاهد الكون بحس متجدد، ونظرة مستطلعة، وقلب نوّره الإيمان. ولو سار في هذا الكون كالرائد الذي يهبط إليه أول مرة؛ تلفت عينه كل ومضة، وتلفت سمعه كل نأمة، وتلفت حسه كل حركة، وتهز كيانه تلك الأعاجيب التي ما تني تتوالى على الأبصار والقلوب والمشاعر ... ) (7) .
وبعد استعراض هذه الآيات الآفاقية في سورة البقرة يحسن بنا الدخول في تفصيل بعض هذه الآيات، والثمار العظيمة التي يتركها التفكر وإعمال العقل في تدبرها والتأمل فيها. وسأقتصر في هذه الآيات على ما سطرته يد الإمام الرباني ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتاب مفتاح دار السعادة؛ وذلك فيما يلي: