فوالله ما أدري أيَّ نعمه عليك أشرحُ لك؛ حُسْن الصورة وصحة الآلات؟ أم سلامة المزاج واعتدال التركيب؟ أم لطف الطبع الخالي عن خساسةٍ؟ أم إلهام الرشاد منذُ الصغر؟ أم الحفظ بحسن الوقاية عن الفواحش والزَّلَلِ؟ أم تحبيب طريق النقل واتباع الأثر من غير جمودٍ على تقليد لمعظم ولا انخراطٍ في سلك مُبتدعٍ؟ (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (إبراهيم: من الآية 34) .
كم كائد نصب لك المكائد فوقاك؟ كم عدو حط منك بالذم فرقَّاك؟ كم أعطش من شراب الأماني خلقًا وسقاك؟ كم أمات من لم يبلغ بعض مرادك وأبقاك؟ فأنت تصبحين وتُمسين سليمة البدن، محروسة الدِّين، في تزيُّدٍ من العلم وبلوغ الأمل.
فإن مُنِعْتِ مرادًا، فرُزِقْتِ الصبر عنه بعد أن تبين لك وجه الحكمة في المنع؛ فسلمي حتى يقع اليقين بأنَّ المنع أصلحُ.
ولو ذهبت أعدُّ من هذه النعم ما سَنَحَ ذكرُهُ؛ امتلأت الطُّروسُ (36) ولم تنقطع الكتابة، وأنت تعلمين أنَّ ما لم أذْكُره أكثر، وأن ما أومأتُ إلى ذكره لم يُشْرَحْ؛ فكيف يحسن بك التعرُّض لما يكرهُه؟!
(مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف: من الآية 23) » (37) .
الثمرة الثالثة: الإزراء بالنفس، والشعور بالتقصير في حق الله تعالى وشكره؛ إذ مهما فعل العبد من الأعمال الصالحة ما فعل فلن يوفي حق شكر نعمة واحدة من نعم الله تعالى؛ فكيف بباقي النعم التي لا تعد ولا تحصى. وفي هذا إذهاب لأي أثر من آثار الإعجاب بالنفس، واعتراف دائم بالتقصير والتفريط. وهذا له أثر في التعلق بالله سبحانه وتعالى، والتضرع بين يديه، وسؤاله سبحانه الإعانة