فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 420

ويقول ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - في محاسبته لنفسه إزاء نعم الله تعالى: «نازعتْني نفسي إلى أمر مكروٍه في الشرع، وَجَعَلَتْ تَنْصِبُ لي التأويلاتِ وتدفعُ الكراهة، وكانتْ تأويلاتُها فاسدةً، والحجةُ ظاهرةٌ على الكراهة.

فلجأتُ إلى الله تعالى في دفع ذلك عن قلبي، وأقبلتُ على القراءة، وكان دَرْسي قد بََلَغَ إلى سورة يوسُفَ؛ فاتِحَتِها، وذلك الخاطرُ قد شَغَلَ قلبي حتى لا أدري ما أقرأ.

فلما بلغتُ إلى قوله تعالى: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) (يوسف: من الآية 23) ؛ انتبهتُ لها، وكأني خوطِبْتُ بها، فأفقتُ من تلك السَّكْرَةِ.

فقلتُ: يا نفسُ! أفهمتِ؟ هذا حُرٌّ بيعَ ظُلْمًا، فراعى حقَّ مَن أحسنَ إليه، وسَمَّاه مالِكًا، وإنْ لم يكنْ له عليه مُلْك، فقالَ: (إِنَّهُ رَبِّي) ، ثم زادَ في بيان موجَبِ كَفِّ كَفِّهِ عما يؤذيهِ، فقالَ: (أَحْسَنَ مَثْوَايَ) .

فكيفَ بكِ؛ وأنتِ عبدٌ على الحقيقةِ لمولى ما زال يُحْسِنُ إليك من ساعةِ وجودكِ، وإنَّ سَتْرَهُ عليكِ الزَّلَلَ أكثرُ من عدد الحصى؟!

أفما تَذْكُرينَ كيفَ ربَّاكِ، وعلَّمَكِ، ورَزَقَكِ، ودافعَ عنكِ، وساقَ الخيرَ إليكِ، وهداكِ أقومَ طريقٍ، ونجَّاكِ من كلِّ كيدٍ، وضمَّ إلى حُسْن الصُّورةِ الظاهرة جَوْدَةَ الذهن الباطن، وسهَّل لك مدارك العلوم حتى نلْت في قصير الزمان ما لم ينلهُ غيرك في طويله، وجلَّى في عرْصَةِ (35) لسانك عرائسَ العلوم في حُلَل الفصاحة، بعد أنْ ستر عن الخلق مقابحك، فتلقوها منك بحسن الظن، وساق رزقك بلا كُلْفَةِ تكلُّفٍ ولا كَدَر مَنٍّ، رغدًا غير نَزْرٍ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت