بغير تزاحم ولا تصادم ولا تراكم؛ كما يفعل الأمير إذا انتهى بعسكره إلى معبر ضيّق لا يجوزه إلاّ واحد واحد.
ومن تدبّر أحوالها وسياساتها وهدايتها، واجتماع شملها وانتظام أمرها، وتدبير ملكها، وتفويض كل عمل إلى واحد منها يتعجّب منها كل العجب، ويعلم أن هذا ليس في مقدورها ولا هو من ذاتها؛ فإن هذه أعمال محكمة متقنة في غاية الإحكام والإتقان؛ فإذا نظرت إلى العامل رأيته من أضعف خلق الله، وأجهله بنفسه وبحاله، وأعجزه عن القيام بمصلحته؛ فضلًا عمّا يصدر عنه من الأمور المحبّبة. ومن عجيب أمرها أنه إذا كان فيها أميران لا يجتمعان في بيت واحد ولا يتأمّران على جمع الجنود، بل إذا اجتمع منها جندان وأميران قتلوا أحد الأميرين وقطعوه واتفقوا على الأمير الواحد من غير معاداة بينهم ولا أذى من بعضهم لبعض، بل يصيرون يدًا واحدة وجندًا واحدًا ...
فسَلْ المعطّل: من الذي أوحى إليها أمرها وجعل ما جعل في طباعها؟ ومن الذي سهّل لها سبله ذللًا منقادة لا تستعصي عليها، ولا تستوعرها، ولا تضلّ عنها على بُعدها؟ ومن الذي هداها لشأنها؟ ومن الذي أنزل لها من الطلّ ما إذا جنته ردّته عسلًا صافيًا مختلفًا ألوانه في غاية الحلاوة واللذاذة والمنفعة من بين أبيض يرى فيه الوجه أعظم من رؤيته من المرآة ووسمه لي مَن جاء به وقال: هذا أفخر ما يعرف الناس من العسل وأصفاه وأطيبه، فإذا طعمه ألذّ شيء يكون من الحلوى، ومن بين أحمر وأخضر ومورد وأسود وأشقر، وغير ذلك من الألوان والطعوم المختلفة فيه بحسب مراعيه ومادتها؟
وإذا تأمّلت ما فيه من المنافع والشفاء ودخوله في غالب الأدوية، حتى كان المتقدّمون لا يعرفون السكّر ولا هو مذكور في كتبهم أصلًا، وإنما كان الذي يستعملونه في الأدوية هو العسل، وهو المذكور في كتب القوم. ولعمر الله إنه