لأنفع من السكر، وأجدى وأجلى للأخلاط، وأقمع لها، وأذهب لضررها، وأقوى للمعدة، وأشدّ تفريحًا للنفس، وتقوية للأرواح، وتنفيذًا للدواء، وإعانة له على استخراج الدّاء من أعماق البدن ...
ثم تأمّل جسم الطائر وخلقته؛ فإنه حين قدّر بأن يكون طائرًا في الجو خفّف جسمه، وأدمج خلقته واقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين، ومن الأصابع الخمس على أربع، ومن مخرج البول والزبل على واحد يجمعهما جميعًا، ثم خلق ذا جؤجؤ محدود ليسهل عليه اختراق الهواء كيف توجّه فيه، كما يجعل صدر السفينة بهذه الهيئة ليشقّ الماء بسرعة وتنفذ فيه، وجعل في جناحيه وذَنَبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران، وكسى جسمه كله الريش ليتداخله الهواء فيحمله. ولمّا قدّر أن يكون طعامه اللحم والحبّ يبلعه بلعًا بلا مضغ نقّص من خلقه الأسنان، وخلق له منقارًا صلبًا يتناول به طعامه فلا يتفسّخ من لقط الحبّ، ولا يتعفّن من نهش اللحم. ولمّا عَدِمَ الأسنان وكان يزدرد الحبّ صحيحًا، واللحم عريضًا أُعين بفضل حرارة في الجوف تطحن الحبّ وتطبخ اللحم فاستغنى عن المضغ. والذي يدلّك على قوّة الحرارة التي أُعين بها أنك ترى عجم الزبيب وأمثاله يخرج من بطن الإنسان صحيحًا وينطبخ في جوف الطائر حتى لا يُرَى له أثر. ثم اقتضت الحكمة أن جُعل يبيض بيضًا، ولا يلد ولادة لئلا يثقل عن الطيران؛ فإنه لو كان مما يحمل، ويمكث حمله في جوفه حتى يستحكم ويثقل، لأثقله وعاقه عن النهوض والطيران. وتأمّل الحكمة في كون الطائر المُرسَل السائح في الجوّ يُلهَم صبر نفسه أسبوعًا أو أُسبوعين باختياره قاعدًا على بيضه، حاضنًا له، ويحتمل مشقّة الحبس، ثم إذا خرج فراخه تحمّل مشقّة الكَسْب، وجَمْع الحبّ في حوصلته وبزق فراخه وليس بذي رَوِيّة ولا فكرة في عاقبة أمره، ولا يؤمل في فراخه ما يؤمل الإنسان