فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 420

حياة الناس، ويجاهدوا في سبيل الله تعالى حتى فتح الله لهم الدنيا، وعلت كلمة الله عز وجل، وصار الدين كله لله؛ فلما أقبلت الدنيا عليهم رفضوها، ولم تعشعش في قلوبهم؛ بل كانت في أيديهم وسخروها لنصرة دين الله تعالى والاستعانة بها على طاعة الله عز وجل، وتقديمها لأنفسهم في الدار الآخرة.

والمقصود من هذه المقدمة أن لا يفهم من عرض حياة السلف وحذرهم من الدنيا وزهدهم فيها أنهم تركوها لعدم قدرتهم وحيازتهم لها، بل تركوها مختارين بعد أن وصلت إلى أيديهم. كما ينبغي أن لا يفهم أنهم كانوا منعزلين عن الناس أو أنهم كانوا سلبيين مع ما يحصل في حياة الناس من فساد وشر، بل كانوا رحمهم الله تعالى كما وصفهم الواصف: عُبَّادًا في الليل فرسانًا مجاهدين في النهار، ومن هذه النماذج الوضيئة ما يلي:

في «الزهد» لابن المبارك: حدثنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قدم عمر رضي الله عنه الشام، فتلقاه الأمراء والعظماء، فقال: أين أخي أبو عبيدة؟ قالوا: يأتيك الآن، قال: فجاء على ناقةٍ مخطومةٍ بحبل، فسلَّم عليه، ثم قال للناس: انصرفوا عنا. فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم يَرَ في بيته إلاّ سيفَه وتُرسَه ورحْلَه، فقال له عمر: لو اتخذتَ متاعًا، أو قال شيئًا، فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا سيبلغنا المقيل (20) .

وعن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أنتم أطول صلاةً وأكثر اجتهادًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا أفضل منكم. قيل له: بأي شيء؟ قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت