وهذه الثمرة يتولد عنها بدورها ثمار أخرى مباركة طيبة؛ منها القناعة، وسلامة القلب من الحرص والحسد والغل والشحناء؛ لأن الذي يعيش بتفكيره في الآخرة وأنبائها العظيمة لا تهمه الدنيا الضيقة المحدودة؛ إنها في نظره كالجحر الضيق؛ فكيف يتنافس مع غيره أو يحسد غيره على جحر ضيق زائل، وهو يعيش في هذا الأفق الواسع الرحب، أفق الآخرة والحياة الأبدية فيها. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده» (38) .
كما يتولد أيضًا من هذا الشعور الراحة النفسية، والسعادة القلبية، وقوة الاحتمال والصبر على الشدائد والابتلاءات؛ وذلك للرجاء فيما عند الله عز وجل من العوض والثواب، وأنه مهما جاء من شدائد الدنيا فهي منقطعة ولها أجل، فهو ينتظر الفرج ويرجو الثواب الذي لا ينقطع يوم الرجوع إلى الله عز وجل؛ قال تعالى: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) (النساء: من الآية 104) .
وما أن يفقد القلب هذه المعاني، حتى يخيّم الهم والغم عليه؛ ومن هنا ينشأ القلق والانزعاج والهم والحزن، أما ذاك الذي عرف الدنيا على حقيقتها، وامتلأ قلبه بهم الآخرة وأنبائها؛ فإن نفسه لا تذهب على الدنيا حسرات، ولا تنقطع نفسه لهثًا في طلبها، ولا يأكل قلبه الغل والحسد والتنافس فيها، ولا يقل صبره، ولا يجزع قلبه عند المحن والشدائد، ومهما حُرِمَ في هذه الدنيا الفانية فهو يعلم أن لله عز وجل في ذلك حكمة، وهو يرجو ثواب الله عز وجل.
يقول سيد قطب - رحمه الله: «إن الذي يعيش بلا عقيدة في الآخرة يعيش في عذاب نفس: لا أمل له ولا رجاء، ولا عدل ولا جزاء، ولا عوض عما يلقاه في الحياة.