فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 420

ويعينه عليها أيضًا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها دخول النار والحجاب عن الرب تعالى. فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم؛ فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فكل نَفَسٍ من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظّ لها، يمكن أن يشتري بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد؛ فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلًا. وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) (آل عمران: من الآية 30) » (5) .

ويقول ابن الجوزي - رحمه الله تعالى: «واعلم أن أعدى عدوٍ لك نفسك التي بين جنبيك، وقد خُلقت أمَّارة بالسوء، ميّالة إلى الشر، وقد أُمِرْتَ بتقويمها وتزكيتها وفطامها عن مواردها، وأن تقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها، فإن أهملتها جمحت وشردت، ولم تظفر بها بعد ذلك، وإن لزمتها بالتوبيخ رجونا أن تصير مطمئنة، فلا تغفلن عن تذكيرها. وسبيلك أن تقبل عليها، فتقرر عندها جهلها وغباوتها وتقول: يا نفس، ما أعظم جهلك؛ تدَّعين الذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقًا، أما تعلمين أنك صائرة إلى الجنة أو النار؟ فكيف يلهو من لا يدري إلى أيتهما يصير، وربما اختطف في يومه أو في غده؟! أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب، وأن الموت يأتي بغتة من غير موعد، ولا يتوقف على سن دون سن، بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة، وإن لم يكن الموت فجأة كان المرض فجأة، ثم يفضي إلى الموت؟ فمالك لا تستعدين للموت وهو قريب منك؟! يا نفس، إن كانت جرأتك على معصية الله تعالى لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت