منه لاستطابتها إياه، حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حدَّ الاحتمال، فتنشقُّ أمعاؤها من ذلك فتهلك، أو تُقارب الهلاك؛ وكذلك الذي يجمعُ الدنيا من غير حقها ويمنعها من حقها: قد تعرض للهلاك في الآخرة، لا بل في الدنيا.
وأما مثل المقتصد، فقوله: «إلا آكلة الخضر» ؛ وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول وجيِّدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره فتحسن وتنعم، ولكنه من التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبْسِها، حيث لا تجد سواها، وتُسميها العرب: الجَنْبَةَ، فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تَستَمْرِئُهَا، فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلًا لمن يقتصر في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرصُ على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وبالها، كما نجت آكلة الخضِر. ألا تراه قال: «أكلت، حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت» أراد أنها إذا شبعت منها بَرَكت مستقبلة عين الشمش، تستمرئُ بذلك ما أكلت، وتجْترُّ وتثلِطُ فإذا ثلطت فقد زال عنها الحبط، وإنما تحبط الماشية لأنها تمتلئُ بطونها ولا تثلط ولا تبول، فيعرضُ لها المرض فتهلك» (10) .
ويقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - معلقًا على هذا المثال: «أخبر صلى الله عليه وسلم أنه إنما يخاف عليهم الدنيا، وسمَّاها زهرة؛ فشبهها بالزهر في طيب رائحته وحسن منظره وقلة بقائه، وأن وراءه ثمرًا خيرًا وأبقى منه.
وقوله: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم» ، هذا من أحسن التمثيل المتضمن للتحذير من الدنيا والانهماك عليها والمسرة فيها؛ وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع، فتأكل منها بأعينها، فربما هلكت حبطًا. والحبط: انتفاخ بطن الدابة من الامتلاء أو من المرض؛ يقال: حبط الرجل والدابة تحبطًا وحبطًا إذا أصابه ذلك.