والعشب، فتستكثر منه الدابة حتى ينتفخ بطنها لما جاوزت حد الاحتمال، فتنشق أمعاؤها وتهلك. كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها، ويحبسها أو يصرفها في غير حقها.
وآخر الحديث: مثل للمقتصد بآكلة الخضر الذي تنتفع الدابة بأكله، ولم يحملها شرهها وحرصها على تناولها منه فوق ما تحتمله، بل أكلت بقدر حاجتها. وهذا مثل الذي أخذ ما يحتاج إليه ثم أقبل على ما ينفعه. وضرب بول الدابة وثلطها مثلًا لإخراجه المال في حقه؛ حيث يكون حبسه وإمساكه مضرًا به. فنجا من وبال جمعه بأخذ قدر حاجته منه، ونجا من وبال إمساكه بإخراجه، كما نجت الدابة من الهلاك بالبول والثلط.
وفي هذا الحديث إشارة إلى الاعتدال والتوسط بين الشره في المرعى القاتل كثرته، وبين الإعراض عنه وتركه بالكلية فتهلك جوعًا.
وتضمن الخبر أيضًا إرشاد المكثر من المال إلى ما يحفظ عليه قوته وصحته في بدنه وقلبه؛ وهو الإخراج منه وإنفاقه، ولا يحبسه فيضره حبسه. وبالله التوفيق» (11) .
المثال الثاني:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نام على رُمَالِ حَصِير، وقد أثَّرَ في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتَّخَذنا لك وطاءً تجعلُهُ بينك وبين الحصير، يقيك منه؟ فقال: «ما لي وللدنيا؛ ما أَنا والدنيا إلا كَرَاكبٍ استَظَلّ تحت شجرة ثم راح وتركها» (12) .