ضارًا، حتى يُلقي في روع السامع أو القارئ ضخامة وهول هذا الأمر، ولكن ما إن يباشر هذا الأمر أو يراه حتى يتبين أنه أمر عادي وطبيعي.
يقول الأستاذ عبد الكريم بكار: «الإفراط في وصف الأشياء والحكم عليها في حالتي المدح والذم من العلل المستحكمة في حياتنا الفكرية، وفي لغة الخطاب اليومي. وأعتقد أن استقامة التفكير ستظل حلمًا بعيد المنال، ما لم نستطع تسليط المزيد من الأضواء على مناطق التماس بين العقل والعاطفة، والمبدأ والمصلحة، والذات والموضوع، و (الأنا) والآخر، وما شاكل ذلك من هذه الثنائيات؛ حيث إن كثيرًا من أخطاء التفكير ينشأ نتيجة انعدام التوازن في أشكال العلاقة بين هذه الأشياء. والتهويل يشكل منتجًا من منتجات طغيان العاطفة على العقل؛ حيث إننا إذا أحببنا شيئًا وفُتِنًّا به حاولنا تأمين شرعية ذلك الافتتان عن طريق كيل المدائح وإبراز المحاسن ورفعه إلى مستوى الأساطير والخوارق. وإذا أبغضنا شيئًا حاولنا أيضًا تسويغ ذلك البغض عن طريق إبراز مساوئه وعيوبه ...
والتهويل يتجلى في المدح والذم بوصفهما طرفي معادلة؛ إذ إن مديح فلان من الناس يقتضي ذم نظرائه ومنافسيه، كما أن ذم شخص من الناس يقتضي أيضًا مديح أنداده وخصومه. وللعاطفة أيضًا تأثيرها في هذا، فكما أن القلب لا يتسع لحبين، فكذلك الساحة لا تتسع لبطلين، فإذا وُجدا فلا بد من إخراج أحدهما، ولهذا كان لدينا فَنَّان عتيدان من فنون الشعر، هما فنا المديح والهجاء. ولم يقتصر ذلك على الشعر، بل تعداه إلى مجالات معرفية وثقافية أخرى؛ فكُتّاب السير والتراجم - مثلًا - لا يشعرون أنهم يستطيعون القيام بعملهم دون فعل ذلك، ونظرة في الكتب التي ترجمت لرجال المذاهب والمدارس العلمية تُظهر ذلك على نحو جَليّ؛ فالثناء على البصريين لا يكتمل من غير ذم الكوفيين، ومديح المذهب الشافعي - مثلًا - يقتضي ذم المذاهب